لست الخبير فيما سأشير إليه في ما يلي، ولكن لا أجد ما يمنعني من أن أؤلف حوله أسفارا طالما ضمنت أن لا أحد يعبأ بما أكتب بحيث يؤثر في وعيه للأمور، وطالما لا يفهم مما أكتب أنني أدعي بأن ما أكتبه ناتج عن دراسة أو بحث ولو بأي قدر من الإستفاضة.
أقول بأن المجتمع يشبه الإنسان المنفرد في عدة وجوه سلوكية، فقد يصدر عن الإنسان سلوك قد يوصف بأنه شاذ عن طبيعته، ولكن وبتكراره خلال مدة من الزمن، يتحول هذا السلوك إلى عادة ونمط، وبعد أن يمارسه إلى مدة زمنية طويلة يعرف به كجزء من طبيعته، وينتقل معه إينما حل، فلا يكاد يظهر هذا السلوك إلا وعرفنا أن مصدره هو ذلك الإنسان بعينه.
هكذا قد يحدث مع المجتمع وإن كان بصورة مختلفة، مع ملاحظة أنني أعني السلوكيات الخاطئة بشكل أكثر تحديدا في مقالي هذا، وإن كان الكلام ينطبق حتى على السلوكيات السليمة!
المكون الأساسي للمجتمع هو الإنسان، وحينما يصدر عن الإنسان سلوك سواء في مرحلته الأولى كسلوك شاذ أو في مرحلته المتأخرة حين يصبح ذلك السلوك جزء من طبيعة ذلك الإنسان فذلك بالنسبة للمجتمع ليس بالأمر الخطير، فهو يوصف بأنه سلوك مفرد أو فردي، إذ أنه مازال في محيط وإطار فرد بالمجتمع ليس إلا.
بيد أن الأمر يبدأ باتسامه مهما ويؤخذ بالإعتبار عندما ينتشر ذلك السلوك بين جمع من الناس في نفس المجتمع من خلال التصنع أو التعمد أو التكلف، ويتكرر في مدد متقاربة في الوقت، حينها قد يوصف هذا السلوك بأنه ظاهرة إجتماعية.
ولكن عندما ترصد هذه الظاهرة لوقت طويل فلا يستبعد في أنها إنتقلت إلى مرحلة جديدة وتصبح هذه الظاهرة جزء من ثقافة المجتمع، بحيث تعلم المجتمعات الأخرى أن ذلك المجتمع بعينه يقوم ،وكجزء من ثقافته، بهذا السلوك.
هذا الكلام ،بالرغم من بساطته، في غاية الأهمية، وبمقدار ما هو مهم بالنسبة لتربية فرد في أسرة ، فكذلك هو جدير بالإعتبار في سياق حركة وتطور المجتمع.
ولا أريد أن أغفل عن عنصر أساسي في هذه النظرة وهي البيئة، فالبيئة الإجتماعية وما يتعلق بها من عقائد واعتقادات وعادات وتقاليد وقيم ومبادئ بل وكذلك الذوق العام، وهي التي تكون المسارات السلوكية بل والإنفعالات النفسية في البيئة، لها دور أساسي في تربية ونمو ظاهرة أو ثقافة جديدة في المجتمع، فالبيئة قد تساهم في ظهور سلوك أو ظاهرة، ولكنها أيضا قد تكون عائقا أمام تسلل ظاهرة أخرى.
بطريقة أو أخرى ، يمكننا أن نضرب مثالا لهذا الأمر من خلال الإشارة إلى الوظيفة الحكومية كبيئة لها مخرجاتها الخاصة بها! وللعلم فقط، فإنني أعتقد كما اليعتقد الكثيرون بأن الوظيفة الحكومية هي إحدى أهم أسباب الرئيسية تأخر الكويت، وهذا الإعتقاد هو الذي دفعني لإنشاء هذه المدونة بالأساس، بل أنني أعتقد بأن الوضع السياسي والإجتماعي القائم والذي يصفه الكثيرون بالمتأزم والحرج إنما هو إحدى مخرجات الثقافة التي أرستها الوظيفة الحكومية، كيف ذلك؟
قبل أن أسترسل بالإجابة، عزيزي القارئ، أود أن أستعرض إعتقادي الثاني في هذا السياق، وهو أن السبب الرئيسي في تأزم البلد ليس التشكيل الحكومي الذي قام به السيد رئيس الوزراء بقدر ما هو مجلس الأمة الذي قمنا نحن باختياره، علما بأن 80% من أعضاء مجلس الأمة هم بالأساس موظفون حكوميون.
الوظيفة الحكومية كبيئة تساهم في نمو العديد من الإنماط السلوكية غير المحمودة، وربما يوافقني الكثيرون في ذلك، وفي تصوري بأن من اسوء ما تفرزه هذه البيئة هو النمط الإداري والذي ترجع إليه أسباب تدهور الإنتاجية في أية دائرة حكومية.
ومن ضمن أمثلة الإنماط السيئة التي تنتج عن الوظيفة الحكومية والتي ربما كانت في يوم من الأيام سلوكا فرديا، هي اختطاف حقوق المستحقين من قبل غير المستحقين، والمصاديق كثيرة في هذا المضمار، ولعلك ايها القارئ مررت بتجربة كهذه أو سمعت بها، فإنك قد تجد من ينال مكافأة لا يستحقها في مقابل حرمانها من مستحقين، وربما تجد مسئولا يتباهي بمنصبه الذي لم يستحقه وتجد حوله أولئك الذين يستحقون مكانه يأتمرون بإمرته ويعملون ما يريد وهم مرغمون!
والأمثلة كثيرة في هذا المجال، ولكن سأورد الفكرة البسيطة التالية حتى نصل إلى نتيجة:
لو أن أحدا ملك مالا وأراد أن يجني ثروة من خلال إنشائه لمؤسسة ما، وكان لديه خيارين فيمن يقوم بإدارة هذه المؤسسة:
· فريق من الموظفين الحكوميين.
· وفريق من موظفي القطاع الخاص.
فأيها يختار؟
الخيار المنطقي في هذه الحالة سيكون وبدون منازع هو فريق موظفي القطاع الخاص للمعرفة المسبقة بأن موظفي القطاع الخاص هم الأقرب إلى تحقيق إنتاجية ونجاح لتلك المؤسسة، وهو ما يطمح إليه كل العقلاء وأولو الألباب.
هذا التفكير المنطقي والإستنتاج العقلاني لم يتم توظيفهما بشكل كاف عند إنتخاب أعضاء مجلس الأمة، ونجم ،وسينجم، عن ذلك أننا نقلنا بئية الوظيفة الحكومية بما تفرزه من سلوكيات وأنماط وظواهر سلوكية إلى واحدة من أهم مؤسسة في البلاد وهي المؤسسة التشريعية، وحينما أقول "نقلنا" فإننا مرغمون على هذا الصنع وهو يظهر لنا كعملية "إختيار"، والإرغام يعود لعدم توافر البدائل من جهة، وبسبب تجذر نمطية معينة في إختيارنا وهي ناتجة عن الثقافة التي تسود مجتمعنا.
وللهذرة بقية..
موظف حكومي
كتبها موظف حكومي: موسى عبدالمحسن المهنا في 04:14 صباحاً ::
اعتقد أن التخلص من النمط الذي يعيش عليه موظف الحكومة هو من الأمور الصعبة وخاصة أن العقلية العربية لا زالت تسيطر عليها الوظائف الحكومية و التي تعني الخمول والبيروقراطية في التعامل .
عموماً اختيار الوزراء من خارج البرلمان هو من الأخطاء الفادحة حسب وجهة نظري .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للبحث عن الفرص الاستثمارية بالخليج
http://www.tradingsa.com/
يجب على الحكومه ان تطبق نظام العمل في القطاع الخاص وان تحارب سلبيات البيروقراطية حتى يتحسن مستوى أداء الموظفين
أخي الفاضل الإعلامي حسن السلطان . . تحية طيبة، وقد أسعدني مرورك الكريم وتعليقك حول هذا الموضوع.
إشارتك إلى صعوبة التخلص من آثار الوظيفة الحكومية أمر صحيح، بالرغم من أننا نشكو ونشكو وعلى مدى أعوام ، ولكن التحرك باتجاه التغيير إلى ما فيه مصلحة المجتمع يسير ببطئ شديد.
بقاء الأنماط المترتبة على سيادة الوظيفة الحكومية في حياتنا هو محض إختيارنا، ومتى ما هبطت قرارات من أعلى السلطات في البلد وبصورة مدروسة فإن الوضع لابد وأن ينتهي إلى الأفضل.
وشكرا مرة أخرى
تحية طيبة لزيارتك الرقيقة دكتورة كويتية..
بحسب ما أتذكر ومنذ أن بدأت أعي في هذه الدنيا وأنا أسمع وأقرأ حول خصخصة قطاعات في الحكومة ، وها نحن وقد اجتزنا القرن الواحد والعشرون، وليس تغير كبير..
والله يسهل..
الغرض الذي أردت أن أرمي إليه في هذا الإدراج هو أن السلبيات التي تنتج عن الوظيفة الحكومية تتعدى وبشكل طبيعي حدود الأفراد ، لتلقي بضلالها على أداء الدولة من خلال الأفراد الذين يشكلون المجلس التشريعي ، والذي في نظري لا بد وأن يكون أفراده من نوعية متميزة جدا ، فهم جزء من القيادة السياسية لهذا البلد.
وشكرا لك
هناك برامج وأفكار ابداعية جديدة تغير من هذا النظام الغير إيجابي والذي لايطور البلد، بل يبقى مكانك راوح، ولكن لاتوجد دراسة من أجل التطبيق، ولا حتى مجرد التفكير في التغيير ..
( رغم انتشار الوعي بين فئة كبيرة من افراد المجتمع، والدعوة إلى التغيير من أجل التقدم والتطوير، والتفكير كما يقولون ( خارج الصندوق ) إلا إنها تبقى مجرد أمنيات .. )
شكراً لهذا الموضوع المميز
اخي العزيز موسى
يسرني أن ادعوك إلى حفل توقيع كتاب "مولد التراجيديا" للفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (آخر اصدارات وترجمات ورشة السهروردي الفلسفية)
والحفل مقام الليلة الخميس (5 يونيو) في تمام الساعة السابعة مساءا
في "دار الآثار الإسلامية" داخل منطقة حولي التعليمية (ثانوية عبدالله السالم)
اعتذر عن تأخر الدعوة
للإستفسار:
almllhem@hotmail.com
كما ارجو منك مراجعة بريدك الإلكتروني بأسرع وقت ممكن
إمرأة في الأربعين..أشكر مرورك وتنويرك لهذه المدونة ..
الأمر منوط بأعلى مستويات السلطة في البلاد للقيام بهذه النقلة، وعلى ما يبدو أن هناك خطط بل وقوانين تتعلق بالتخصيص (أو الخصخصة) وهذه القوانين يرجع تاريخها إلى ما قبل ستة عشر عاما إلا أنها لم تقر ولم تنفذ.
وقد صادف قبل أيام أن تحدثت جريدة الجريدة وفي صفحتها الأولى حول النية الجادة للحكومة الحالية في المضي في هذا المشروع.. إضافة إلى تقارير ما بين وقت وآخر تعرض في الجرائد حول المجلس الأعلى للتخطيط، وقدكان لي إدراج سابق حول هذا الموضوع "يوميات 10".
أشكرك مرة أخرى
عزيزي إنسان بسيط...
أشكرك على هذه الدعوة الثمينة..
لكن يبدو إنها "طافتني" ، الوقت معاي 11 مساءا ;) والجايات أكثر إن شاء الله
الاسم: موظف حكومي: موسى عبدالمحسن المهنا
