لابد لكل إنسان أن يسافر، فإذا ما قرر السفر كانت له خيارات يرى أنه يختارها أو لا يرى ذلك، ولكنه يتخذ منها ما شاء سواءا رأى ذلك إضطرارا أو اختيارا.
وهكذا كان أمري بالأمس، بل في كل سفر دابتي فيه تكون السيارة، وإختياري الأفضل، بالطبع، أن أسافر في وضح النهار حيث يكون الطريق بائنا، ولا خشية إلا من السنة والغفلة اللذان أتجنبهما مستعدا بنوم كاف يعينني عليهما.
ولكن الصيف يدعوك من خلال معطياته للنظر إلى الإختيارات الأخرى، لاصطدام الخيارات الواضحة والمحبذة أولا مع شدة الحرارة، وثانيا مع إحتمال إزدحام الطريق وخصوصا عند نقاط الخروج والدخول.
وهكذا، كان القرار الذي اخترت أن يكون سفري ليلا على أن ينشق نور الصباح وأنا في منتصف الطريق حتى أكمل السفر بالاتياح.
إضافة إلى قرار بدء السفر بالليل، رأيت أن أسير بمهل دون استعجال فالطريق غير معبد كما أرغب ومفاجآته قد لا تحمد نهاياتها.
وهكذا، وباسم الله وعليه إتكالي سرت في طريق السفر، ورافقني في سفري هذا أخي الأكبر.
لم يكن في بداية الطريق ما يقلق، فأنا ما زلت في طرقات المدينة وما حولها، والأنوار تعين على الرؤية، والإشارات الضوئية تنظم السير وتمنع أي ربكة أو تهور، وحارات سير المركبات متعددة ومتسعة، ولامجال هناك لأي نوع من الضيق.
بعد سيري على الطريق ما يقرب الساعة، بدأت الأنوار تقل ويغلب الظلام، وحالة الطريق تسوء، فالحفريات التي لا أعلم سببها تنتشر هنا وهناك وبين مسافة وأخرى، وتفاديها ضرب من المستحيل، وبدأ أمر آخر يجب أن أتحلى به وأعتني وهو الإنتباه، فالبرغم من الهوادة والرفق في قيادتي فهناك دوما ما قد يصرفني عن ذلك، كاقتراب مركبات أخرى من خلفي أو على جنبي ومحاولتها أن أسرع أو أغير الحارة.
بصراحة، ما كان يولد القلق الذي أخفيه في كل طريق سفري هذا، هي بعض مناطق الطريق، حيث يضيق الشارق ويقتصر على حارة واحدة لكل إتجاه، ولسبب لا أجد له تفسير فقد تمت الاستعانة بسلك كهربائي بين الحارتين الرائحة والغادية وعلقت إضاءات صفراء، أقل ما تسبب لي هو تشوش الرؤية، خصوصا مع إقبال سيارات من الجهة المقابلة وقد أضاءت أنوارها بشدة عالية، ولا أعلم إن كنت مستعدا بما يكفي لهذه الأجزاء من طريق السفر.
عندما يبدأ السفر، وأظن أن أغلب السفر كذلك، لا يمكن أن تتوقف لإعادة الإستعداد، ولهذا فإن من العقل والبداهة أن تستعد بكل ما يؤدي إلى سفر آمن، فلا بد من ضمان حالة المركبة من كل جانب، ولا بد من معرفة الطريق تماما قبل السير، وما إذا كانت هناك أية تعديلات على الطريق أو تحويلات، وما هي الطرق البديلة، ولعل من أهم تلك الإستعدادات هو أخذ قسط كاف من النوم والراحة بقدر ما تحتاجه ساعات السفر، وهوالشيء الذي لم أوفق إليه وتبينت سلبياته في آخرساعتين من الطريق.
مضى الوقت ولم يكن هناك الشيء الكثير لأصنعه غير القيادة وخصوصا وأن مرافقي كان بحاجة إلى نوم طويل، فقضيت وقتي بين الإنتباه للطريق والتفكير في السفر، وما أثار تفكيري هو أنني كررت السفر بالمركبة كثيرا ولكنني في كل مرة أمر بظروف مشابهة من الصعوبة، ولعل ذلك من طبيعة السفر، وقد أكون قد فكرت أيضا بأنه مثلما يكون السفر من مكان إلى مكان بالمركبة فقد تكون هناك أسفار ذات طبيعة مختلفة ذهنية أو نفسية أو روحانية، وتبقى بين تلك الأسفار عوامل مشتركة، كالصعوبات والعوائق التي تجدها في السفر، وحاجة كل سفر إلى استعدادات خاصة.
وأسفار كهذه، تتشابه مع الأسفار التقليدية في شيء أيضا وهي أنها قد تتكرر في حياة الإنسان، وتتفاوت المسافات في كل سفرة، ويتغير بذلك طبيعة الطريق والاستعدادات اللازمة.
السفر الروحي على سبيل المثال، له طبيعته والاستعداد المعرفي الخاص حتى يكون السفر موفقا ومحققا للأهداف المتوخاة، ولعل السفر الروحي يختلف في فهمه وطبيعته وأهدافه من شخص إلى آخر تبعا للخلفية الدينية والثقافية لكل واحد منا، ولكني أقصد بالسفر الروحي هو الإقتراب من الله تعالى وقصد رضاه وبلوغ طاعته، ولعمري أن هذا السفر هو السفر الأهم والمرام الأكثر ضرورية، فكلنا في نهاية طريق الحياة مقبلون على لقاء الله سبحانه، وهل لنا إلا أن نكون على إستعداد تام لهذا اللقاء؟
وأظن بأن السفر الروحي، كسفري الذي أنا فيه من ناحية، ويختلف عنه في نواح أخرى، فأنا أسافر في مركبتي ما بين حين وحين لأرفه عن نفسي، وبعد قضاء وقت، أحتاج أن أسافر مرة أخرى للرجوع إلى بلدي.
في السفر الروحي، لا أبرح من مكاني، وإنما الرحلة تكون في عالم آخر، ولكن بعد حين أشعر بأن سفري قد انقطع والسفر أصبح ملحا مرة أخرى للإرتباط بالله سبحانه، دون أن يتعارض ذلك مع السفر الفعلي إلى بقعة مباركة قد تجعل السفر الروحي أكثر أثرا ومتعة.
ها أنا أمر في المنطقة التي طالما شعرت أنها الأسوء في الطريق، حيت تصطف الأنوار الصفراء إلى جانبي الأيسر ، ولمسافة غير قصيرة، والسيارات المقبلة من الطرف المقابل تزيد الأمر سوءا حيث تختل الرؤية والتركيز البصري لدي وأنصرف عن الإنتباه للطريق، وأخشى ما أخشاه أن أخطأ ولو بمقدار شعرة في تحريك مركبتي لأكون ومن معي بين يدي القدر، وهنا يلزمني الإنتباه أكثر من ذي قبل.
ترى، كيف أملك زمام الأمور في السفر الروحي وأستبقي الإنتباه دون أن أنصرف عنه حين أكون في ظروف مشابهة، والرؤية مشوشة ، والانحراف وإن قليلا كان عن الطريق قد يؤدي إلى عالم آخر؟
أنا أعتقد بأنه وفي الحالتين فإن الإستعداد المسبق هو الفيصل، إذ أن الوعورة من طبيعة أي طريق، ولا سبيل آخر لتفادي ذلك!
إذا فلأسير على مهل ورفق، وأتجنب أن تصرفني تلك الأنوار المزعجة عن دربي، وأنتبه إلى ما يصرفني عن طريق الله حتى أصل سالما معافى من هجمات الأبالسة والشياطين.
عندما أنتهي من مرحلة الطريق هذا أشعر براحة كبيرة، لا أستطيع أن أصفها، وقد تكون أشبه بإختبارات عسيرة عابرة ليس لي معها حيلة، فمتى ما انتهت نظرت إليها من المرآة الخلفية وشعور الغبطة يملؤني، ثم أستمر في طريقي منتبها لما قد يتربص بي.
تتكرر المشاهد في طريق السفر وسعيي أن ءألفها وءألف تجاوزي لها، ولكن ها أنا قد بدأت أفقد سيطرتي انتباهي، والنوم بدأ يصارعني ويغالبني وأنا أقاوم، وهو صراع كنت أتوقعه ، فأنا لم آخذ حاجتي من النوم قبل بدء الطريق، وهوأمر ضروري في سفر يمتد إلى قريب السبع ساعات.
أتعرف سيدي القاريء كم عانيت في الساعتين الأخيريتين؟
شيء لا يوصف.
أمر متعب جدا أن تمر بظرف لم تملك له الإستعداد! لم أملك حينها إلا المقاومة والمقاومة والمقاومة وعلى مدى أكثر من ساعة، هذا بالرغم من إنبلاج نور الصبح ولم يعد الظلام يمثل أي ضرر.
وهكذا الغفلة في سفر الروح، في لحظة تفقد بها السيطرة ما يدعوك للتفكر في مقدار أهمية وضرورة الإستعداد لهكذا لون من السفر، إلا أنه وللأسف قد لا يكون الاستعداد متاح، فالإنسان يمر بمراحل في حياته لا يملك أموره كلها، وأي إهمال له وفي إستعداداته تظهر في طريق سفره.
بحمد الله، كانت نتيجة تلك المقاومة أن تمكنت من الاستمرار حتى دخلت البلاد، وبعون من الله تعالى تلاشت الغفلة والتعب حتى أوقفت المركبة عند منزلي...
وسفر موفق وسالم لك أيضا.
موظف حكومي
كتبها موظف حكومي: موسى عبدالمحسن المهنا في 07:00 مساءً ::
الاسم: موظف حكومي: موسى عبدالمحسن المهنا
