يوميات موظف حكومي

الإثنين,آب 18, 2008


بعد إجازة قصيرة لم تتعد الأسبوعين، رجعت إلى العمل، دون أن يتميز هذا الرجوع بشيء يذكر، فهو رجوع بلا حماس ولا كسل أيضا، وهو رجوع بلا إشتياق للعمل ولا نفور منه أيضا، كل ما هناك أن أياما معدودة قضيتها لأعمال خاصة وانتهت ووجدت نفسي أسير إلى مركز عملي.

ليس هناك ما يمكن أن يثير النفس في العمل ولا الإستغراب كذلك، أدخل من مكتب إلى آخر فلا أجد إلا وجوها مليئة بالـ . . . فراغ، والملل واليأس والاحباط واللامبالاة، ولا يبدو أن أحدا يهتم بمن يأتي وبمن يذهب وبما يحدث أو يحصل، ولو انقلبت الدنيا رأسا على عقب فلسوف تبق الوجوه على ما هي عليه، أو هكذا أتصور!!

          خلو وجوه الموظفين الحكوميين من الإبتسامة، أو على الأقل السواد الأعظم منهم، هو أحد ما تمتاز به مظاهر الوظائف الحكومية إذا ما قورنت بوجوه موظفين في قطاع البنوك أو النفط أو القطاع الخاص بشكل عام، وهو أمر لا يخفى ولا هو سر بحاجة إلى كشف. . ولكن، ما الداعي لذلك؟ أو ما هي الأسباب التي تخلق هذا المحيا الصحراوي لدى موظفي الوزارت؟ و كيف نزرع الإبتسامة في وجه الموظف الحكومي ليتحول إلى حديقة غناء من السرور والتفاؤل؟

هذه الأسئلة وغيرها ليست ألغازا للأذكياء، أو معاضل لنبهاء القوم وحكمائهم ليدبروا لها حلا جهنميا، يكفي أن تقترب قدر ما يمكن إلى هؤلاء وبقليل من الاستجداء للحديث ستنهال الشكوي وأحاديث الهم والغم تترى دون توقف!

لنتجنب، الآن، عرض هذه الشكاوى وقوائم الهموم ولنستعرض مجموعة أخرى من الأسئلة حول هذا الجو السائد:

هل يعكس هذا الرسم المتجهم لوجوه الموظفين ما بداخلهم من دوافع وتفاعل وتجاوب لما تستدعيه وظائفهم؟ أنا سأجيب على هذا السؤال لسهولته ووضوحه. . . الإجابة هي: نعمّ!

وما أثر هذا الشعور المتراكم في تفاعل الموظفين مع بعضهم البعض؟ ومع المراجعين – إذا كان ثمة أناس يراجعونهم؟

ما قدر الإبداع والمبادرة اللذان يتلاشيان مع ما خلفيات هذه الأوجه "المعنفشة"؟

كم قد يبلغ مقدار الميزانية التي تحتاجها الدولة لترسم إبتسامة على وجه كل موظف حكومي ليوم واحد؟ وماذا ستكلف "إكتواريا" لسنة واحدة على الأقل؟

وكم ستؤثر هذه الميزانية على الخطة المالية الخمسية؟

وفي المقابل، كم ستجني الدولة من تحريك عضلات الوجوه الوظيفية لتبدو مبتسمة من الخارج ومن الداخل أيضا؟

 أظن أن الحال لا يبق في دائرة العمل وبيئته فحسب، فلا شك بأنه هذا الجو والشعور والتبلد الوجداني له إنعكاسات على بيئة المنزل وبنية الأسرة والتفاعل العنقودي من داخل الأسرة إلى خارجها، وهذا ما ينتج عنه جو متخم بالسلبية ومشع بالإحباط المتراكم، ولعله، أقول لعله، سبب وجيه لهروب أرباب الأسر إلى الدواوين والمقاهي، وربات الأسر إلى الأسواق والإجتماعات النسائية، لا لعيب في ذلك بشكل أساسي، سوى لكونه إهمالا في حالات كثيرة لترسيخ الواجب التربوي للوالدين.

 ولكن، ما هو الحل؟

والسؤال الذي لابد وأن نكون أكثر حرصا على إجابته: ما هي المشكلة أساسا؟؟

رجوعا إلى المشهد الأول في هذا السرد، حيث كانت وجوه الموظفين تعكس معاني المعاناة . . . معاناة ما، ولكن ماهي؟

أغلب موظفي الحكومة، الكويتيين منهم بشكل محدد، يحصلون على مرتب لا بأس به، يعينهم في إبتياع ما يحتاجون إليه هم وأبناءهم من مأكل وملبس بل ومسكن، ولو كان لدى أحد شك بذلك فليقارن حالهم بحال أمم أخرى، وستكون هذه المقارنة ذات جدوى لو عشنا في بلدانا مختلفة ولمسنا حالهم فعليا، لا من خلال ما نشاهده في قنوات التلفزة أو ما تنقله الصحف، ولك أن تتساءل: لمردود؟

هل يعيش هؤلاء في ضنك من العيش وبحاجة إلى التسول باي شكل؟

وعندما ينتهي وقت العمل، هل يضطر الموظفون إلى السير إلى المنزل أو حتى ركوب المركبات العامة للوصول إلى كان السكن؟

هل بيئة العمل تنتقص إلى الراحة؟

إجابة كل ذلك، وتساؤلات أخرى كثيرة، ترجع بالأساس إلى فهم وتعريف الموظف لمعنى الإستحقاق والمكافأة، ولا يخرج هذا الفهم في حال من الأحوال عن الفهم العام الذي تمت صياغته في عقل المجتمع لهذه معايير ومصطلحات! بل قد يكون الأمر أصبح عادة سادت بالرغم من كل حالة اليسر، وأصبحت ممارسة الهم وركوب موجات الغم وإعتياد الشكوى ركن من أركان عقل هذا المجتمع.

 

هناك حلان محتملان لهذا الموقف الذي هو أقرب لأن يكون وضع أو نمط حياتي:

الأول: أن تغدق الأموال على موظفي الحكومة، وتملأ حساباتهم "خردة" و"أنواطا" حتى يقولوا: "بسنا فلوس ، بسنا فلوس"!

وإضافة لذلك، علىالحكومة أن تستخلق مناصب و"كراسي" تشبع طموحات كل موظفي الحكومة بحيث يكون الكل رئيسا على الكل..

وهذا محال!

 

الحل الثاني المحتمل قد يراه الكثيرون حلا "باصجا" ومن يقول به "ثجيل دم" و"ياريته يخلي براطمه مسكرة ولا ينطق"، ومع ذلك سأدفع هذه القيمة وأقول إن الله – سبحانه - جعل أشياءا لأشياء، وجعل أشياءا في أشياء!

ومن بين هذه الأشياء القناعة والرضا بما قسم الله بين الناس حيث جعلهما الله لشعور الراحة والسعادة، وبكلمات أخرى إن الله تعالى قد جعل السعادة في القناعة والرضا بما أعطى . . وهذا بالتأكيد سيلقي بظلاله الوارفه على كل محيا، شرط أن نعرف كيف نقود أنفسنا لذلك.

من ناحية أخرى، لا يعني ذلك، البتة، أن ننسجم مع الإستسلام ونطرح الطموح جانبا، تحت عنوان القناعة.

القناعة والرضا دهانان لعضلات الوجه، وكمامان لما في الصدر من حرج، ولكنهما لا يطلقان أجنحة التفوق والوصول إلى أعالي المناصب.  

أضيف على هذا فأقول بأننا مهما كتبنا في السياسة، وانتقدنا أداء الحكومة أو المجلس وهذا ديدن الكثيرين منا في كتاباتهم وحواراتهم، بما فيهم أنا شخصيا، وألقينا باللائمة على التخبط في التخطيط، وتداول النفوذ بين فئات محدودة، وسيادة المحسوبية والواسطة، و "شيلني وأشيلك" وغير هذا، فلن يغير من الأمر شيئا، فالمهم القناعة والرضا، وقديما قالوا "القناعة كنز لايفنى".

لا بد وإن لهذا الحديث بقية، وأرجو أن يكون لي توفيق لذلك.

 

موظف حكومي



في19,آب,2008  -  12:37 صباحاً, مها الظفيري كتبها ...

أتفق معك ف هذا الكلام

أخي الكريم...مدونتك جداً واقعيه وراقيه

أتمنى لك التوفيق

وشكراً لزيارتك لمدونتي

ملاحظة:سبق وأن مررت أكثر من مره هنا

ربما لم أترك أثراُ فقط :)

شكرا مره اخرى





في19,آب,2008  -  08:47 صباحاً, موظف حكومي: موسى عبدالمحسن المهنا كتبها ...

الأخت الفاضلة مها الظفيري..
شكرا على مرورك الكريم وتعليقك، والمدونة تزداد شرفا بزياراتك لها، مع رجائي أن يكون في المدونة ما يفيد.

شكرا لك

في22,آب,2008  -  10:43 صباحاً, ميدار كتبها ...

اسأل الملك الذي يهب ملكه لمن يشاء ان يغمرك بنعيم ألايمان وعافية الابدان ورضا الرحمن وان يسكنك أعلى الجنان

جمعه مباركه

في26,آب,2008  -  10:09 صباحاً, موظف حكومي: موسى عبدالمحسن المهنا كتبها ...

تحية طيبة أخي العزيز ميدار وأشكر لك هذه الزيارة المباكة

كما أشكر لك هذا الدعاء النفيس سائلا العلي القدير أن يغمرنا برضاه

وشكرا مرة أخرى

في28,آب,2008  -  05:29 صباحاً, وطن بلا حدود كتبها ...

اخي موسى
صباح الخير
اسعدني التجوال في مدونتك وشكراً على دعوتك الكريمة
بخصوص الموضوع فهو اكثر من رائع وادارة الموظفين ورفع معنوياتهم لا تحتاج الى فلوس كما ذكرت ولكن تحتاج الى القائد الحكيم والمفتقد في الوزارات الحكومية بداء من وزراء المكرمات ومدراء الواسطات وروؤساء المحسوبية ومشرفين شلني واشيلك
اخي ادارة الموظفين ابسط مما يتصورها عقل وهي فطنة وهبة اودعها الله في قلوب الرجال لا تستحصل من خلال الشهادات
ففي الواقع المجرب نحن نعيش ازمة شهادات بلا علم وخبرات بلا دعم ومهارات بلا مساندة فالامر متروك للمكرمات والكيف والواسطات وعدم منح الفرص الحقيقية لمن يحاول التطوير